محمد هادي معرفة
590
التمهيد في علوم القرآن
وَالْمَطْلُوبُ . ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 1 » فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفّار من عبدة الأوثان والأصنام ، وأنّ من هذا حاله في الضعف والهوان والعجز كيف يستحقّ أن يكون معبودا ، وأن توجّه إليه العبادة ، وهو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات ، ولا يقدر على دفعه لو أراد به سوء ، فهذه في دلالتها على ما تدلّ عليه لم تبق عليهم في النعي شيئا ، ولا تركت عليهم بقية في نقص عقولهم ، والازدراء بأحلامهم ، والتسفيه لما هم عليه من ذلك ، فصدّر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ولم يقل إنّ هذه الأوثان ، تقريرا بالصلة والموصول لما هم عليه من اتّخاذهم شركاء ، واسم الأوثان والأصنام لا يؤدّي هذا المعنى ، ثم عقّبها بالنفي على جهة التأكيد ب ( لن ) في المستقبل بقوله : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً دلالة على العجز وإظهارا في أنّ من هذا حاله فلا يستحقّ أن يكون معبودا ، ولا يستأهل الشركة في الإلهية ، ثم بالغ في استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى : وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لأنّ بالاجتماع تكون المظاهرة حاصلة ، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع ، فهو مع الانفراد أحقّ لا محالة ، ثم أكّد ذلك بقوله : وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب وتدبيره نهاية العجز ، ويدلّ على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب والاستيلاء ما قدروا على أخذه والانتصار منه . وهذا هو النهاية في تقاصر الهمم وحقارتها وأنهم في الحقيقة جامعون بين خصلتين ، كل واحدة منهما كافية في العجز ، فضلا عن اجتماعهما ، إحداهما : عدم القدرة على خلق الذباب ، والثانية : عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شيء منهم .
--> ( 1 ) الحج : 73 و 74 .